مجمع البحوث الاسلامية

396

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بالعبوديّة للّه ، أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة ، من العبيد للهوى ولبعضهم بعضا . وتقوى اللّه يقظة واعية تصون من الاندفاع والتّهوّر والشّطط والغرور ، في دفعة الحركة ودفعة الحياة ، وتوجّه الجهد البشريّ في حذر وتحرّج ، فلا يعتدي ، ولا يتهوّر ، ولا يتجاوز حدود النّشاط الصّالح . وحين تسير الحياة متناسقة بين الدّوافع والكوابح ، عاملة في الأرض ، متطلّعة إلى السّماء ، متحرّرة من الهوى والطّغيان البشريّ ، عابدة خاشعة للّه ، تسير سيرة صالحة منتجة تستحقّ مدد اللّه بعد رضاه . فلا جرم تحفّها البركة ، ويعمّها الخير ، ويظلّها الفلاح . والمسألة - من هذا الجانب - مسألة واقع منظور - إلى جانب لطف اللّه المستور - واقع له علله وأسبابه الظّاهرة ، إلى جانب قدر اللّه الغيبيّ الموعود . والبركات الّتي يعد اللّه بها الّذين يؤمنون ويتّقون ، في توكيد ويقين ، ألوان شتّى لا يفصلها النّصّ ولا يحدّدها . وإيحاء النّصّ القرآنيّ يصوّر الفيض الهابط من كلّ مكان ، النّابع من كلّ مكان ، بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان . فهي البركات بكلّ أنواعها وألوانها وبكلّ صورها وأشكالها ، ما يعهده النّاس وما يتخيّلونه ، وما لم يتهيّأ لهم في واقع ولا خيال ! والّذين يتصوّرون الإيمان باللّه وتقواه مسألة تعبّديّة بحتة ، لا صلة لها بواقع النّاس في الأرض ، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة . وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصّلة قائمة يشهد بها اللّه - سبحانه - وكفى باللّه شهيدا ، ويحقّقها النّظر بأسبابها الّتي يعرفها النّاس وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الأعراف : 96 . ولقد ينظر بعض النّاس فيرى أمما - يقولون : إنّهم مسلمون - مضيّقا عليهم في الرّزق ، لا يجدون إلّا الجدب والمحق ، ويرى أمما لا يؤمنون ولا يتّقون ، مفتوحا عليهم في الرّزق والقوّة والنّفوذ ، فيتساءل : وأين إذن هي السّنّة الّتي لا تتخلّف ؟ ولكن هذا وذلك وهم تخيّله ظواهر الأحوال . إنّ أولئك الّذين يقولون : إنّهم مسلمون ، لا مؤمنون ولا متّقون ، إنّهم لا يخلصون عبوديّتهم للّه ، ولا يحقّقون في واقعهم شهادة أن لا إله إلّا اللّه . إنّهم يسلّمون رقابهم لعبيد منهم ، يتألّهون عليهم ، ويشرّعون لهم سواء القوانين أو القيم والتّقاليد ، وما أولئك بالمؤمنين . فالمؤمن لا يدع عبدا من العبيد يتألّه عليه ، ولا يجعل عبدا من العبيد ربّه الّذي يصرف حياته بشرعه وأمره . ويوم كان أسلاف هؤلاء الّذين يزعمون الإيمان مسلمين حقّا ، دانت لهم الدّنيا ، وفاضت عليهم بركات من السّماء والأرض ، وتحقّق لهم وعد اللّه . فأمّا أولئك المفتوح عليهم في الرّزق ، فهذه هي السّنّة : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ الأعراف : 95 ، فهو الابتلاء بالنّعمة الّذي مرّ ذكره ، وهو أخطر من الابتلاء بالشّدّة . وفرق بينه وبين البركات الّتي يعدها اللّه من يؤمنون ويتّقون ، فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به ، وكان معه الصّلاح والأمن والرّضى